الأديبة/غادة السمان
طباعة المقال طباعة المقال
الأديبة/غادة السمان
هل تذكرون فلسطين؟ «تبويم» لذكرى وعد بلفور!
العصا السحرية لشعر نزار
هل المرأة هي... «الجنس الضعيف» حقا؟
بيروت لا تطاق... ولكنك تعشقها!
من يسرق بحر الفقراء في بيروت؟
معجم «الدوحة» التاريخي: فعل وفاء للغتنا وتراثنا
محاولتي الفاشلة لاختطاف طائرة بيروت!
قراءات الربيع: وتناثرنا كريش العصافير
قبل أن تغادر .. فكر
لنحتفل بأمومة الرجال أيضا في عيد الأم

بحث

  
الحبيبة بيروت ترقص فوق تابوت
بقلم/ الأديبة/غادة السمان
نشر منذ: 6 سنوات و 6 أيام
الجمعة 17 يوليو-تموز 2015 05:38 م

بعد غياب طال، أمشي في «شارع الحمراء» الشهير الذي يفترض أنه المرادف البيروتي لشارع الشانزيليزيه الباريسي ويحاول بمهرجاناته إعادة الاعتبار إلى جمالياته الغابرة وخلق مناخ العيد الدائم.

 


أمامي على الرصيف صبية محجبة ترافقها أمها السافرة جدا. رجل ملتح بقبعة دينية يحمل مذياعا وفي أذنيه السماعات الخاصة بالأنصات، ولكن يسمع كل من يمر به موسيقى الجاز الصاخبة!! شابة ترتدي ثيابا قطنية ضيقة جدا بسروال وردي يرسم تفاصيل الجسد كما القميص الملتصق بالصدر ويصلحان للذهاب إلى مسبح «نادي السبورتنغ» في مونت كارلو، لكنها محجبة الرأس.


رجل بربطة عنق وآخر «بشورت». تناقضات بيروت أحبها، عارية الإعلان عن حقيقتها التعددية وأمزجتها.


حوانيت ببضائع جميلة وأنيقة والواجهات مغبرة، ربما توفيرا لنفقات التنظيف فهي شبه خاوية من الزبائن.. السائح العربي هرب خوفا من الخطف أو التسمم بالطعام أو انفجار القتال، والمغترب اللبناني الذي يركبه حصان الشوق إلى الوطن يؤخر موعد قدومه بعدما عاشر أوطانا بلا تقنين في مواعيد زيارة الملكة/التيار الكهربائي ويستطيع الاستحمام دون انقطاع المياه فجأة والصابون يغطيه، ناهيك عن الأمان حيث احتمال موته بانفجار فيها، أقل بكثير من ذلك في بيروت. مدن يستطيع المرء المشي فيها على أرصفة لا تحتلها السيارات أو حراس (فلان وعلان) الذين يمنعونه من ذلك في شوارع المربعات الأمنية، ولكن شارع الحمراء الذي يغلي بالتناقضات يغلي أيضا بالناس وبرواد مقاهي الأرصفة.. أبواق السيارات لا تتوقف عن الصراخ حتى أمام شرطي السير الذي ألفها فيما يبدو.. إنها سيمفونية للفوضى والجنون لكنها أيضا غليان مدينة لا تريد أن تموت وكل ما فيها يريد أن يرقص على نحو ما ولو فوق تابوت يُعدّه الكثيرون لها ولكل منهم مواصفات خاصة للتابوت على مقاس أحلامه التي تؤكد سطوته المحلية وقوته الإقليمية.. توابيت بأسماء حركية لطيفة ومهذبة.. وبأسماء أحزاب تنتمي في حقيقتها إلى أسماء الأضداد (حزب الحرية) مثلا (وهو اسم من عندي، اسم افتراضي) يمارس القمع (وأترك للقارئ سرد أسماء معظم أحزاب لبنان) والتعمق في معناها وسيجد أنها حقا من أسماء الأضداد حين يتعلق الأمر بسلوكها «فالشجرة تعرف من ثمارها» والأمثلة تطول.


وعلى الرغم من أنف ذلك كله تعلن بيروت إرادة الحياة على الهول إياه كما بقية المناطق اللبنانية.. وتتكاثر المهرجانات كرفض للتدجين بالخوف والتهجير القسري من لبنان.. فالمهرجانات أيضا صرخة حياة في وجه الذين يحاولون جر اللبنانيين إلى الحرب الأجبارية، هنا وهناك، وإلى «الكآبة الإجبارية»، حتى صارت الرغبة في الحياة فعلا شائنا ينبغي التستر عليه والتصفيق لأحزاب الموت، بذرائع وطنية مختلفة في قطارات الجنازات المتناسلة بكثرة. بالمقابل يحتفي لبنان بحصول ابنة أيلي داغر على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان «كان» وبكل إبداع.

لبنان يصرخ: دعوني أعيش

مرت على لبنان وتمر مهرجانات ونشاطات على مستوى عالمي وعربي كإمكانية حضور ميراي ماتيو وجوني هاليداي وسواهما وماجدة الرومي وميادة الحناوي وكاظم الساهر، وكلها تقع تحت خانة حب الحياة والإبداع في لبنان حتى الرقص فوق التوابيت كلها التي تم تنجيرها للوطن الحبيب.


وقدم كازينو لبنان حفلا للفنان بوتشيني (توسكا) كما قدم المكان نفسه جوائز (موركس دور) في حفل بهي انتقده البعض لفوضوية معاييره، لكنه دلالة حياة تغلي بالرغبة في احتضان الابداع والجمال والفرح وتلك من صفات لبنان من زمان.. وتتناثر أضواء المهرجانات هنا وهناك.. مهرجان جبيل ولبنانيات جميلات الروح ركضن في شوارع المدينة البحرية (التي اختيرت عاصمة للسياحة العربية في العام المقبل).


ووسط ذلك الجو الصيفي الاحتفالي بالحياة أحيت كاريتاس إهدن «اليوم العالمي للضحك» في وطن يغلي قلقا وذلك جميل.


وجمعية «أحلى فوضى» أحيت للعام الثاني احتفالا في بيروت وأحسنت اختيار هذا الاسم! وذكرتنا بنشاطات سور «هايدبارك» اللندني.


محاولة العودة بشارع الحمراء إلى زمنه القديم بما في ذلك عرض أفلام من «أيام زمان»، لفتتني.

 

هل الحنين للماضي احتجاج على الحاضر؟

تتكاثر في لبنان ومعارضه وتلفزيوناته وإعلامه كله مظاهر الحنين إلى الماضي والكتابة عنه بلهفة الأشواق واحتضان رموزه الراحلين.. والأحياء.


ويبدو لي الحنين إلى الماضي صرخة احتجاج على الحاضر مع أبداء المخاوف من المستقبل.


الفنانة صباح مثلا التي واجهت الكثير من الأذى خلال حياتها وشاهدتها مبللة بدمع الخيبة، حين زرتها مرة برفقة صديقة أميرة عربية وأخرى برفقة بليغ حمدي في دعوة منها للعشاء.. تلك السيدة التي أطلقت الشائعات بل والنكات عن عمليات شد الوجه التي خضعت لها، ولم يكن ذلك مألوفا في ذلك الزمان كاليوم، وعن أزواجها وغير ذلك من تفاصيل حياتها الشخصية تحولت اليوم إلى طابع بريدي وإيقونة (وغرافيتي) على جدار بيروتي شاهق.


الجيل الجديد يحتفي بالماضي، فهل يكره حاضره ويحن إلى الماضي الذي لم يعشه أم ان الحنين إلى الماضي من الطبائع البشرية أيا كان الزمان والمكان. أترك الأجابة للقارئ وأتساءل: هل كان «الزمن الجميل» جميلا حقا وقد أنجب حاضرا كهذا؟

تعليقات:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع وكالةالأنباءالدولية نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى آراء واتجاهات
آراء واتجاهات
الكاتبة/آيات عرابي
عيادة صابر مشهور
الكاتبة/آيات عرابي
الكاتب/فهمي هويدي
خيارات العرب أمام الصعود الإيراني
الكاتب/فهمي هويدي
الكاتب/واسيني الأعرج
الكوابيس العربية
الكاتب/واسيني الأعرج
الكاتب/صبحي حديدي
اقتصاد السوق وأشعة X
الكاتب/صبحي حديدي
الدكتورة/إبتهال الخطيب
حسد
الدكتورة/إبتهال الخطيب
الكاتب/واسيني الأعرج
مخاطر الانهيار العربي: تونس مرة أخرى في عين السّيكلون
الكاتب/واسيني الأعرج
المزيد