الأديبة/غادة السمان
طباعة المقال طباعة المقال
الأديبة/غادة السمان
هل تذكرون فلسطين؟ «تبويم» لذكرى وعد بلفور!
العصا السحرية لشعر نزار
هل المرأة هي... «الجنس الضعيف» حقا؟
بيروت لا تطاق... ولكنك تعشقها!
الحبيبة بيروت ترقص فوق تابوت
معجم «الدوحة» التاريخي: فعل وفاء للغتنا وتراثنا
محاولتي الفاشلة لاختطاف طائرة بيروت!
قراءات الربيع: وتناثرنا كريش العصافير
قبل أن تغادر .. فكر
لنحتفل بأمومة الرجال أيضا في عيد الأم

بحث

  
من يسرق بحر الفقراء في بيروت؟
بقلم/ الأديبة/غادة السمان
نشر منذ: 6 سنوات و أسبوعين و 5 أيام
السبت 04 يوليو-تموز 2015 10:03 م

في الدرب بين المطار وبيروت تبدو المدينة تفاحة معلقة فوق البحر تنقرها الغربان والانفجارات وأسماك القرش.

يشعر القادم للوهلة الأولى أنه في مرآب ملوث تحت الأرض في مبنى شاسع تفوح منه روائح آتية من أنابيب إطلاق دخان السيارات لغازات سامة، كئيبة، وبصرخات استغاثة بلا صوت لبؤس يومي فتاك.. لكن الشعراء هنا والروائيين والصحافيين والفنانين باختلافهم من تشكيليين ومسرحيين وسينمائيين يتنفسون فضاءهم الخاص إلى جانب ذلك ويبدعون.. ولعلهم يبدعون لذلك!

بعينين شرهتين أتأمل كل ما يتحرك وأطلق عليه رصاص حبي المشتاق. سيارات.. زحام خانق.. فوضى.. أبواق تعوي.. أشعر أنني في متحف للسيارات القديمة المتحركة. في فرنسا قامت الدولة بتقديم مساعدة مادية لكل من يستبدل سيارته القديمة التي تنفث السموم بسيارة جديدة أقل أذى لرئات البشر وللبيئة.. أما في بيروت (فنحلم) بالمزيد من التلوث (!) مقابل الحصول على المزيد من ساعات نعمة الكهرباء!

من «الحاج داوود» إلى «الأوزاعي»

رميت بحقائبي وغادرت البيت إلى مملكة التسكع. مشيت طويلاً. لم أجد مقهى «الحاج داوود». صار في ذمة الذكرى كما «سوق الجوخ» و«مطعم العجمي» و«سوق أياس» و«سوق الطويلة» الغابر..

أمشي في الدروب العتيقة المطلة على البحر حتى «النادي العسكري» سابقاً صوب «عين المريسة».. لا أجد البحر..

أسوار وأبنية رثة وفخمة.. ولا أجد حانوت «سركيس» لبيع التحف والأثريات إلى جانب فندق «السان جورج»، والفندق يبدو كمقر لتلويحه أيدي ستائر مغبرة، ولأشباح الحزن على ما كان ومضى، ولم يأت ما هو أفضل منه كما حلم الكثيرون.

أصل حتى «عين المريسة» التي كانت المرفأ البيروتي القديم للصيادين المتوحدين، ومطعم «التومبوريل» لصاحبته الرسامة هوغيت كالان ابنة رئيس جمهورية سابق للبنان ومنزل باتريك سيل الصحافي البريطاني، ذلك كله لم يعد موجوداً أيضاً و«عين المريسة» تم ردمها وغزتها غطرسة إسمنت المباني العالية. لا مرفأ هنا. رحلت المرافئ القديمة كلها.

قلت لنفسي معزية دونما قناعة: ذلك أمر عادي يحدث في كل مكان. وبيروت تتعايش مع تلك الحقيقة وبدلاً من البكاء على ما فات تحاول إبداع الجديد.. قديم ينهار ويحل مكانه جديد. تابعت المشي إلى «كورنيش المنارة».

أستأنست بصياد جالس فوق صخرة وبيده صنارته. وكدت أبتهج لحضوره لو لم أقرأ في جريدتي في الطائرة أن مشروعاً عمرانياً يُعدّ لهذا الشاطئ وسيغطي منظر البحر عن عيون المارة، وثمة من معه ومن ضده. أصدق «كلام الصحف». تجاوزت «الحمام العسكري» و«قهوة الروضة» ومربع مسابح «اللونغ بيتش» و«السبورتنغ» ومشيت صعوداً صوب مقهى «دبيبو». البحر مسور بأسلاك شائكة وثمة نقطة حراسة للجيش.

هنا، لم يضايقني غياب البحر، فحضور الجيش في تلال استراتيجية يطمئننا، بل أن حضور الجيش من الأشياء القليلة المطمئنة في بيروت.. ليأخذ الجيش البحر، وليعطنا الوطن والأمان.. له وحده نتخلى حتى عن البحر..

تابعت المشي، انتحب قلبي.. فهذا الشاطئ الذي كان في أوله يطل على «صخرة الانتحار» البيروتية أو «صخرة الروشة»، تم تسويره لصالح «انتحار بيروت» الجميلة عن صخرته.. لمصلحة بيروت التجارية، حتى «الرملة البيضاء» و«الايدن روك».

«لا بحر في بيروت» حقاً

في مسيرتي كلها حتى «الرملة البيضاء» لم ألمح البحر لأنه صار مسوراً استعداداً لبناء فنادق ومبان ومطاعم ومسابح للقادر على دفع الثمن.. وقيل لي ان امتداده (شاطئ الايدن روك) سيلقى أيضاً مصيراً كهذا.

هذا البحر الذي كان في متناول أنظار البيروتي العتيق والسائح والمقيم فيها من متوسطي الحال أو الفقراء الذين كانوا يجلسون على الرصيف متأملين البحر مدخنين نرجيلاتهم، أو أحزانهم أو أحلامهم هذا البحر مات. لم يعد بوسع أحد مشاهدة «بحر الروشة» حقاً إلا إذا دفع ضريبة المشهد، أي ثمن الطعام في أحد المقاهي البحرية ناهيك عن أجرة غرفة في فندق يطل على البحر.

من يسرق بحر الفقراء ومتوسطي الحال في بيروت؟

يتم ذلك في ظل الألفة مع البشاعة المتحالفة مع تعتيم إعلامي، إذ تتحول القضايا البسيطة المعيشية للناس إلى بنود في «بورصة» تأييد هذا سياسياً ورفض ذاك.. والمهم لدى الكثيرين من هو المحمي من (جماعتنا) لنسكت عن سرقته لجزء من البحر ومن هو المدعوم من شخص آخر ضد (قبيلتنا) ويأتي بالمنكر نفسه ونرفضه لأنه ليس من جماعتنا لا لفعلته!

إعدام الطبقة الوسطى

والمحصلة؟ إنه لم يعد بوسعك حتى الانتحار مجاناً عن الصخرة الشهيرة بدون طلب فنجان قهوة على مائدة مقهى قبل ذلك، وعليك أن تدفع ضريبة كل شهيق وزفير أو اختناق!!

تابعتُ المشي، وفي «الرملة البيضاء» تذكرت ما قرأتُه عن شجار حول تشييد فندق أو لا فندق في مسبح (السان بلاش) هناك المجاني للفقراء، حتى الآن، والشجار سياسي والمحصلة واحدة: فقدان جزء من رئة بيروت المكرسة للمتعبين متوسطي الحال والفقراء.. البحر مردوم هنا.. مسروق هناك.

مرة، أصدرت كتاباً بعنوان «لا بحر في بيروت» وبدا العنوان للبعض «فانتزيا» أدبية لكنه صار اليوم للأسف وبعد عقود، صار حقيقة بالمعنى الواقعي الجغرافي للكلمة. البحر صار امتداداً للاسمنت، جُنّ وصار مستنقعا تفوح منه رائحة المجارير قرب مسبح الفقراء في «الرملة البيضاء».

كتبت ما سبق لأنني لم أنتم يوما إلى حزب سياسي لأحمي جماعته!! لكنني أنتمي إلى الإنسان.. وما يدور الآن في بحر بيروت ليس كثير الإنسانية..
أهي روح العصر؟ لم أعد أدري..

* القدس العربي

تعليقات:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع وكالةالأنباءالدولية نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى آراء واتجاهات
آراء واتجاهات
الكاتب/واسيني الأعرج
مخاطر الانهيار العربي: تونس مرة أخرى في عين السّيكلون
الكاتب/واسيني الأعرج
الدكتورة/إبتهال الخطيب
حسد
الدكتورة/إبتهال الخطيب
الكاتب/صبحي حديدي
اقتصاد السوق وأشعة X
الكاتب/صبحي حديدي
الإعلامي/فيصل قاسم
هل «داعش» نقمة على النظام السوري أم نعمة؟
الإعلامي/فيصل قاسم
الكاتب/فيصل علي
الواقعية هي الحل
الكاتب/فيصل علي
الكاتب/واسيني الأعرج
تحت سماء رام الله
الكاتب/واسيني الأعرج
المزيد