لصّ بغداد الأمريكي!
الكاتب/صبحي حديدي
الكاتب/صبحي حديدي

ذات يوم غير بعيد كان زلماي خليلزاد، السفير الأمريكي الأسبق في العراق (و»المسلم الأرفع وظيفة» في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، كما يحلو للبعض تعريفه)؛ قد مازح الإيرانيين بالقول: لقد خلّصتكم أمريكا من ألدّ خصومكم في الجوار: الطالبان في أفغانستان، ثمّ نظرائهم في العراق. وتلك مزحة أغفلت، طيّ فكاهة ملطخة بدماء مئات الآلاف من الأبرياء في البلدين، أنّ هذه الهدية إلى إيران لم تكن وبالاً على الشعب العراقي ومستقبل البلد بعد الاجتياح الأمريكي لعام 2003، فحسب؛ بل رسخّت محاصصة في الحكم، طائفية أولاً وفاسدة ثانياً وعاشراً، هي محض نتيجة مباشرة للسياسات الأمريكية.
وبهذا المعنى فإنّ الأزمة السياسية الراهنة، بين الشارع الشعبي العريض من جهة أولى، والتيار الصدري كأحد مكوّناته الفاعلة؛ وساسة الفساد ووزرائه وبرلمانييه، من مختلف الكتل والأحزاب والتجمعات، من جهة ثانية؛ ليست سوى الفصل الأحدث في تراث متعاقب من المآزق، لعلّ أكثر تعبيراته إفصاحاً وصدقاً تلك الأغنية التي صدحت بها ملايين الحناجر: «جينا على الدخل نحسب الخرجية/ صفر ناقص صفر فارغة البسطية/ باسم الدين باكَونا (سرقونا) الحرامية»! ومن جانب آخر، إذا كان نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق، يتحمل مسؤولية مباشرة عن تمدّد تنظيم «الدولة الإسلامية» في مناطق واسعة من العراق، أسوة ببطانته الحكومية والعسكرية الفاسدة؛ فإنّ الولايات المتحدة، بهدي من نصائح أمثال خليلزاد، هي المسؤولة عن صعود التنظيم، ابتداءً من جذوره العقائدية التي تضرب في أرض خلّفها الاجتياح الأمريكي للعراق، وحتى تغلغل تلك الجذور إلى أراض أخرى في سوريا، وأبعد وأوسع نطاقاً في جغرافية المنطقة.
وهذا مأزق ينقل المياه، دافقة جارفة أحياناً، إلى الطواحين ذاتها التي تحرّك صعود «داعش»، أو نجاحها في صدّ هجمات الجيش العراقي؛ لسبب أوّل جوهري، هو أنّ هذا الجيش مرتبط، عضوياً، بمؤسسة الحكم، يتأثر تلقائياً بما تشهده من مدّ وجذر، فضلاً عن أنه امتداد طبيعي لكثير من مفاسدها ومباذلها ومحاصصاتها. السبب الثاني، وهو لوجستي وعسكري محض، يشير إلى سحب عدد من الوحدات المشاركة في الحملة على «داعش»، وإعادة نشرها في العاصمة بغداد ومحيطها؛ تحسباً لاحتمالات تطوّر الموقف إلى مواجهات عنيفة، مع شارع الاحتجاج الشعبي المتعاظم.
وهذا، استطراداً، مأزق كفيل بإعادة الزمن إلى ما قبل العام 2011، حين تابع الرئيس الأمريكي باراك أوباما قرار سحب القوات الأمريكية من العراق؛ وحين كان خيار «الصحوات»، وستراتيجية الجنرال الأمريكي دافيد بترايوس بعد العام 2007، قد أثمرت عن نجاحات ملموسة ضدّ «القاعدة» بصفة خاصة. الدليل على هذا أنّ أعداد القوات الأمريكية، المشاركة في الحملة العسكرية الراهنة ضدّ «داعش»، آخذة في الازدياد، وقبل أيام قليلة فقط أعلن وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر عن إرسال 200 جندي إضافي، والمزيد من حوامات الأباشي. طريف هنا، ولكنه مفيد أيضاً، أن يستعيد المرء تصريحات كارتر السابقة، حول انحدار كفاءة الجيش العراقي، وإقراره بأن «القوات العراقية أبدت عدم رغبتها في القتال»، وأنّ عددهم أكبر من مهاجميهم بكثير، في الحقيقة، ومع ذلك فقد فشلوا في القتال وانسحبوا من الموقع»، و»لدينا مشكلة في إرادة العراقيين بالقتال ضد داعش، والدفاع عن أنفسهم».
وفي كلّ حال، ليس سياقاً منقطعاً عن الشرط الراهن أن يضع المرء تصريح بترايوس الشهير، أنّ الجنرال الإيراني قاسم سليماني «شرير»، و»العقل المدبر للفوضى في العراق»، وذلك على خلفية أدوار ميليشيات «الحشد الشعبي» في تغذية المأزق الراهن؛ في موازاة مزحة خليلزاد، عن الهدايا الأمريكية لطهران؛ وبينهما الأهزوجة العراقية، عن لصوص سرقوا الشعب باسم الدين. ولا يُنسى، بالطبع، لصّ بغداد الأمريكي، في صفّ «الحرامية»!

القدس العربي


في الأحد 24 إبريل-نيسان 2016 06:04:11 م

تجد هذا المقال في وكالةالأنباءالدولية
http://internationalnewsagency.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://internationalnewsagency.net/articles.php?id=627