ليالي البؤس في فيينا!
الكاتب/صبحي حديدي
الكاتب/صبحي حديدي

بينما عقد ممثلو الأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي، إلى جانب وزراء خارجية 17 دولة ـ بينها اثنتان تقاتلان، مباشرة وعلى الأرض، إلى جانب نظام بشار الأسد، هما روسيا وإيران ـ اجتماعاً في فيينا، أقرب إلى تحضير الأرواح والبحث في حجر الفلاسفة؛ كان طيران النظام الحربي يقصف سوق الجمعة الشعبي في بلدة دوما، ويخلّف عشرات القتلى والجرحى في صفوف المدنيين، وبينهم نساء وشيوخ وأطفال بالطبع. قبل ساعات، وأثناء جولات «التسخين» لعقد هذا الاجتماع، قصف الطيران ـ الروسي، هذه المرّة ـ المستشفى الميداني في البلدة، بـ12 صاروخاً موجهاً؛ وكان قد قصف 12 مستشفى، في شمال سوريا.

وإذا كانت هذه مفارقة دامية، وحشية وهمجية، تقول إن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يفضّل المجيء إلى فيينا وكفّه ملطخة بدماء السوريين، المدنيين الأبرياء؛ فإنّ المفارقات السياسية المتعاقبة التي طبعت لقاء فيينا لم تكن أقلّ استهتاراً بالدم السوري، أو أقلّ تواطؤاً مع المسؤول الأول عن المأساة السورية: الأسد نفسه، شخصياً، وقبل آلته العسكرية والأمنية، وميليشياته الفاشية والمذهبية، وحلفائه الروس والإيرانيين.


ولقد زاد في الطين بلّة، وأضاف الإهانة إلى جراح السوريين، أنّ البيان الختامي شدّد، في الفقرة 8، على أنّ «سوريا هي التي تملك وتقود هذه العملية السياسية والشعب السوري هو من يحدد مستقبل سوريا»؛ وكأنّ هذه الصياغة يمكن أن تكتسب أيّ معنى ملموس، حول أيّ من مفرداتها، في ظلّ نظام الاستبداد والفساد والتوريث والمزرعة العائلية، الذي حكم هذا البلد، بالحديد والنار، طيلة 45 سنة. أو، في المقابل، كأنّ البيان شاء دغدغة الكليشيه المكرورة، الرديئة والزائفة والوقحة، التي اعتاد لافروف تردادها: «مصير الأسد يقرره الشعب السوري وحده»!.

وأمّا شرّ البلية الذي يضحك، في ما آلت إليه لقاءات البؤس في فيينا، فهو نبرة النفاق الجوفاء التي فاحت من النقطة الأولى: «وحدة سوريا واستقلالها وسلامة أراضيها وهويتها العلمانية أمور أساسية». فهل ثار السوريون، في آذار (مارس) 2011، وقُتلوا بمئات الآلاف، واعتُقلوا، وعُذّبوا، وغُيّبوا، وشُرّدوا داخل وطنهم وفي أربع رياح الأرض، وقُصفوا بالصواريخ والبراميل والقنابل الفراغية والأسلحة الكيميائية... لكي تُقسّم سوريا؛ أو لكي تصبح سماؤها وأرضها ملاعب لمرتزقة وجهاديين ودول من كلّ حدب وصوب؛ أو لكي تُمسّ علمانية شعبها، بوصفها سيرورة أصيلة، وطنية وديمقراطية، تمتدّ عراقتها إلى عقود سبقت انقلابات حزب البعث ونظام آل الاسد؟

 

وعن أية «مؤسسات دولة» تتحدث الفقرة 2؟ أهي ثروات البلد التي نُهبت منذ أن أرسى النظام ركائزه على شبكات الولاء والإفساد وروح المزرعة الفردية؟ أم هي مؤسسات القطاع العام، التي صارت متاجر شخصية لرجالات النظام وأبنائهم، دون رقيب أو حسيب أو رادع؟ أم هي الأجهزة الأمنية، التي انحصرت مهامها في السهر على أمن النظام، عن طريق قهر المواطن وقتل السياسة وقمع أبسط الحريات؟ أم هو «الجيش الوطني»، الذي كان يُجبر على الانهزام حتى في ذروة قتاله وتضحياته، والذي انتهى إلى ميليشيا فاشية لا توفّر سلاحاً فتاكاً في وأد آمال السوريين وسفك دمائهم؟
وإذا صحّ، في مفارقة أخيرة، أنّ سوريا ذاتها، مجتمعاً أو شخصيات وطنية أو معارضة مكرسة أو نظاماً، قد غُيّبت عن اجتماع الـ19 في فيينا؛ فالصحيح، في المقابل، أنّ الغائب/ الحاضر كان بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل: المدافع الشرس عن ضرورة المدّ في عمر آل الأسد، والمنسّق مع الطيران الحربي الروسي في الجولان؛ ولكن الغاضب، رسمياً، من طهران، العدوّة/ الصديقة!.

وهكذا، لم يكن مستغرباً أن يتمخض لقاء فيينا عن هذه الحصيلة الهزيلة، إذْ لو كانت ستمطر، لأرعدت... وإنْ قليلاً!

 
في الأحد 01 نوفمبر-تشرين الثاني 2015 06:18:02 م

تجد هذا المقال في وكالةالأنباءالدولية
http://internationalnewsagency.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://internationalnewsagency.net/articles.php?id=610