فصاحة البرميل وتأتأة الضمير
الكاتب/صبحي حديدي
الكاتب/صبحي حديدي

مايكل سبيني، المحلل السابق في وزارة الدفاع الأمريكية، يختصر أسباب موجات اللجوء الواسعة الأخيرة في هذه المعادلة: «الدولة الإسلامية» و»جبهة النصرة» هي المسؤولة أولاً، ضمن «مخطط ستراتيجي كبير»، «قد تكون سرّعت في تنفيذه مزاعم عن هجمات عشوائية، ربما نفّذها نظام الأسد ضد المدنيين». لاحظوا نبرة الإطلاق الجازمة في حديث سبيني عن مسؤولية الجهاديين، مقابل نبرة الترجيح الركيكة (في استخدام «قد» و»مزاعم» و»ربما») بصدد مسؤولية النظام؛ وكأنّ المحلل العسكري الجهبذ لم يسمع عن مئات البراميل المتفجرة التي تسقط على المدنيين كل يوم، أو يقرأ التقارير الموثقة عن لجوء النظام السوري إلى استخدام مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة، المدفعية والصاروخية والكيميائية، والطيران الحربي، وصواريخ الـ»سكود» في قصف سوريا، دولاً وعرضاً.

نموذج سبيني ليس شائعاً، في صحافة اليسار واليمين والوسط، على امتداد أطراف «المجتمع الدولي»، وفي الولايات المتحدة وأوروبا خاصة، فحسب؛ بل يبدو هذا الانحطاط في حسّ العدالة والإنصاف مجرّد واجهة لباطن أسوأ، أشدّ إسفافاً وهبوطاً، لأنه يختزل مأساة اللجوء الراهنة إلى مستويات تبسيطية وتسطيحية فاضحة: «الحرب الأهلية»، «الصراع الطائفي»، «لعبة الأمم»، و... «البحث عن مستقبل أفضل»! وحين يُشار إلى النظام السوري ـ المسؤول، الأول والثاني والثالث والعاشر...، عن واحدة من أبشع الجرائم بحقّ الإنسانية، على امتداد التاريخ المدوّن ـ فإنّ التوصيف يتخذ وجهة التلعثم والغمغمة، حول الـ»قد» والـ»ربما» والـ»مزاعم». للبرميل فصاحة وحشية، وللضمير تاتأة خائنة!

معطيات اللجوء السورية لم تعد خافية على أحد؛ حتى في إحصائياتها الدنيا، ومعدّلاتها وأرقامها، التي توافقت عليها منظمات دولية رسمية محايدة (وهي، بالطبع، أقلّ مما تشير معطيات الأرض التي توصلت إليها استبيانات أخرى، محايدة بدورها لكنها أكثر اتكاءً على المؤشرات الميدانية). ثمة ملايين هُجّروا، خارج بيوتهم وقراهم وبلداتهم ومدنهم، داخل سوريا؛ مقابل ملايين لجأوا خارج سوريا، في أربع رياح الأرض، وحتى قبل أن يسمع أحد بـ»جبهة النصرة» و»داعش»؛ وثمة ملايين ينتظرون، مكتوفي الأيدي وعاجزين عن القيام بأيّ من طرازَي اللجوء، ينتظرون مصائرهم تحت رحمة البرتميل المتفجرة أو القذائف الصاروخية أو الأسلحة الكيميائية. فهل الخروج إلى عرض البحر وقيعانه؛ أو الاختباء في شاحنة تبريد، أو مغامرة التيه في جغرافيا اغتراب لا تستثني القطب المتجمد... أهذا، كله، خيار إرادي، أم إجبار وقسر؟
وفي المقابل، إذا صحّ أنّ هذه الدفعات الهائلة من أمواج اللجوء الأخيرة تخلق، بالفعل، مشكلة معقدة الحلول؛ أفليس صحيحاً، في المقابل، أنّ تفاقم معدّلات اللجوء، خلال الأسابيع والأشهر القليلة الماضية، كان نتيجة مباشرة لترابط عنصرَين متلازمين في المشهد السوري: 1) استقواء النظام على المدنيين العزّل، واستخدام المزيد من البراميل والقذائف، وتشديد القصف على التجمعات السكانية أساساً؛ و2) انحدار «المجتمع الدولي» إلى حضيض غير مسبوق من الصمت إزاء جرائم النظام، بل التواطؤ معه أيضاً، تحت ذريعة أنّ محاربة «داعش» اكتسبت أولوية قصوى؟

أليس الارتباط وثيقاً بين «الخطّ الأحمر» ـ الذي رسمه الرئيس الأمريكي باراك أوباما ذات يوم، واتضح أنه ليس خطاً وهمياً فقط، بل هو خطّ أخضر لارتكاب جرائم أبشع بحقّ الإنسانية في سوريا ـ وبين مساخر «سياسة» البيت الأبيض حول الملفّ السوري، ثمّ المنطقة بأسرها، بما في ذلك التخبط في العراق، واليمن، وفلسطين، ولبنان؟ أليس بين آخر هذه المساخر قرار أوباما بقبول عشرة آلاف لاجىء سوري، في بلد قام أساساً على مبدأ الهجرة والنزوح واللجوء؟

وبالتالي، لماذا يُلام محلل مسطح العقل، مثل مايكل سبيني؛ إذا كان رئيس القوّة الكونية الأعظم، سليل محتد أفريقي، يعتمد المقاربة ذاتها؟


في الأحد 13 سبتمبر-أيلول 2015 05:51:28 م

تجد هذا المقال في وكالةالأنباءالدولية
http://internationalnewsagency.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://internationalnewsagency.net/articles.php?id=597