العصا السحرية لشعر نزار
الأديبة/غادة السمان
الأديبة/غادة السمان

هل ثمة كهارب سحرية ملونة تسري عبر شعراء مبدعين إلى مناخات الأرواح المرهفة وتشعلها بضوء شبيه بضوء القمر كما يراه العشاق لا علماء «ناسا»؟
لعل ذلك يحدث حقا حينما تمس العصا السحرية لشاعر كبير كنزار قباني قلوب محبيه وقرائه من الشعراء السريين الذين لم تتح لهم فرصة الإعلان عن حقيقتهم الشعرية الداخلية.. أو قرّروا ممارسة شعريتهم (حياتيا) وسريّا.
أقول هذا لأنني تأثرت حقا ببريد القراء الذي وصلني تعليقا على مقالي في ذكرى رحيل الشاعر نزار قباني.. فقد جذبتني بعض الرسائل وقررت أنني لست محايدة معها، كأن العصا السحرية للشعر التي حملها نزار قباني مست أبجدية القراء، فرَقّت حروفهم وارتدت عقودا من النجوم ودفء القلب. وذلك جميل.

اللآلئ في رسالة د. عبدالواحد لؤلؤة

أبدأ برسالة ورقية استثنائية حقا جاءت من «كمبردج» المدينة الجامعية البريطانية الشهيرة وصلتني من الشاعر العراقي والأستاذ الجامعي الباحث المعروف عبدالواحد لؤلؤة.. وأفرحني أنها بخط يده الواضح الأنيق ووصلت إلى «القدس العربي» بالبريد وتكرم الزميل كريم العفنان بإرسالها إلى وكري الباريسي، حيث أقيم منذ أكثر من ربع قرن في شرنقة الأشواق إلى الوطن العربي الذي يمزق نفسه بأنيابه الخاصة.
وستكون لي وقفة أخرى مطولة مع ما جاء في رسالته التي يحرك كل سطر فيها سكينا في لحم الأحزان العربية، أما اليوم فستقتصر وقفتي معه على الجانب منها الذي يخص نزار فقد كانت له صلة شخصية به وبأسرته: جيران بلقيس الرائعة زوجة نزار، ثم انها صلة لا أجهل مدى عمقها لأنني أعرف أن قريبي نزار كان من عشاق الروائح العطرية للأزهار، ولعل «العمة أم معتز» والدته، غرستها فيه منذ الطفولة.. وحتى اليوم كشامية ما زلت أثمل كنزار برائحة ياسمينة دمشقية، حتى لو كانت مجففة تبعث لي بها في رسالة، صديقة شامية.. وأثمل بفوح ذكرى عطرها.
يكتب لي الشاعر المرهف عبدالواحد لؤلؤة: «في السبعينات، يوم «الأحداث» في لبنان، جاء نزار مع أسرته الصغيرة إلى بغداد ليقيم في دار أهل بلقيس على بعد خمس دقائق بالسيارة عن دارنا في حي الجامعة. وكنا نجتمع دائما في دارنا بحضور المرحومين جبرا إبراهيم جبرا وعبدالرحمن منيف، ويا لها من أيام ما تزال تحتفظ بأول يوم دخل نزار دارنا والمسافة بين البوابة ومدخل الدار 24 مترا تحاذيها حديقة عامرة. لدى نزول نزار من السيارة رأيت وجهه طافحا بالبهجة، يتنفس عميقا ويسأل: شو هالعطر الغريب؟ وأنا أعرف غرامه بالياسمين الدمشقي من «بوابة الصالحية» فصاعدا. فقلت له: هذا «رازقي» ياسمين عراقي على فل! فقال لي: وكيف نحصل على شجيرة منه لحديقة بلقيس؟

الشعراء ودفء القلب

الشاعر عبدالواحد لؤلؤة قال لنزار: «أنا أحملها إليكم في الغد».. كما ذكر في رسالته.
وهكذا فعل!
لن أتساءل: ترى أين صارت تلك الشتلة الياسمينية العتيقة المترعة بالفل البغدادي فالحرائق تحاول التهام كل جميل في عالمنا العتيق، والربيع العربي كاد يصير لبوة ولدت فأرا وإلى وقفة أخرى مطولة مع رسالة الدكتور لؤلؤة فهي لؤلؤة أحزان وذكريات شامية عراقية.
ولعل العصا السحرية للإبداع الشعري لنزار مست كل من عَلّق على مقالي عنه في ذكراه وفي كلماتهم حول نزار انتصبت الحروف في سطور، ولكن من ضوء في حب روح قصائد نزار والدفاع عن مدلولها.. وهذا نادر لطالما افتقده نزار من بعض نقاده خلال حياته.
أفانين كبة ـ كندا تدفقت شعرا حين قالت عن نزار: «نزل إلى الشارع وكتب بلغة شعرية يفهمها كل الناس.. كتب عن أوجاعنا وآلامنا نحن العرب وعن المهازل العربية.. وكتب عن الحبيبة وكذلك عن المرأة الموؤودة».
بولنوار قويدر من الجزائر سطر وقد مسته عصا الشعر: «أعود لسيد الشعراء في العصر الحديث مع احترامي للآخرين.. فنقول إنه أظهر حقيقة (الذكورية) عند الرجل بمفهومها الإيجابي وليس العكس، بدليل أن نزار قباني ذَكَرٌ في تكوينه الجيني، وروحه أنثى الصباغيات» أي أن نزار ببساطة يؤمن بأن المرأة إنسان أيضا وليست دمية جنسية تُهدى وتسبى.
أورتيغا منعم (السلفادور ـ فلسطين) مسته أيضا يد الشعر حيث تحدث عن «نسائم بردى بعبق ياسمينة دمشقية» تهب في أواخر شهر الربيع من كل عام».. متحدثا بعمق شاعري جارح عن «نسائم لا وصف لها في كل الكتب وقصائد الشعراء، رائحة الياسمين الممزوجة بهواء من ضفاف بردى».. وهي نسائم ما تزال تهب في قلبي.

نزار المبدع «فياغرا» شعرية للآخر

الأديب محمد طاهات (العضو في رابطة الكتاب الأردنيين) يقول «ومعي كل عربي أبيّ حر: متى ينتهي حزن دمشق وحزن بغداد وحزن صنعاء وحزن بنغازي وحزن القاهرة» وبوسعي أن أضيف إلى أحزانه بنودا أخرى.. ولكن ما كتبه بإبداع يكفي ويزيد.
والقارئ أحمد العربي مسته أيضا فياغرا الشعر النزارية وكتب «ماذا أرسم وماذا أكتب في مخيلتي.. بريشتي، بحبري، بقلمي لتترجمه أحاسيسي في مساء اختلط فيه عالمي وألمي وشوقي» ويا عزيزي أحمد العربي القلم عكاز وليس حبل نجاة، ولا نجاة لأحد من أحزانه ومخاوفه «التي لا تعبر إلا عن عشرة في المئة من فكره» كما يقول أحمد اسماعيل وهذا صحيح حتى الثمالة.
ويقول المرهف عمرو ـ سلطنة عُمان إن المبدع لا يموت... وتبقى الكلمة، ويرحل الجسد وتبقى الأفكار» و»الأوراق تحترق والكلمات تبقى».. وكلمات نزار بقيت وأخذت عمرو إلى «أضيق زقاق في حواري دمشق المدينة اللامنسية» وألهمت الشعر للكثير من الأحباء الأبجديين لنزار.
وإلى اللقاء قريبا مع بريد القراء في حقول أخرى.

 
في السبت 05 سبتمبر-أيلول 2015 03:01:50 م

تجد هذا المقال في وكالةالأنباءالدولية
http://internationalnewsagency.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://internationalnewsagency.net/articles.php?id=591