حرب الخوف من الآخر
الكاتب/واسيني الأعرج
الكاتب/واسيني الأعرج

وسط عالم اليقينيات القاتلة، والخوف، والنخب المتواطئة، في زمن يضع صورة العربي والمسلم في أدنى درجات السلم الإنساني والفكري، معيدا إلى الواجهة الثقافة العنصرية التي كنّا نظن أن البشرية تخطتها، ووضعت حدا نهائيا لها. ها هي ذي الآلة العنصرية تعود من جديد، مستغلة ظرفية مزدوجة القسوة، الضعف الحضاري لهذه الأمة التي بلّدتها سياسة الأنظمة المتعاقبة، والممارسات العنيفة التي اتسمت بها الحركات التي تنسب توحّشها ظلما، إلى الإسلام. أي إسلام، وهي في النهاية مجرد سلسلة من الإفرازات المرضية المتولدة عن الخيبات الاجتماعية والدينية، كما هو الحال في كل الديانات السماوية التي عرفت عبر التاريخ لحظات ارتقاء ولحظات انحدار. 


لم تكن محاكم التفتيش المقدس التي ولدتها انحرافات الكنيسة الكاثوليكية إلا داعش اليوم، لا تختلف عنها في شيء. كانت تبيد المخالفين لها بقطع الرؤوس، ودق الأعناق، والتعذيب، في نفس مهرجانات الحرق أو التمزيق أو الصلب بحجة تطهير الجسد والفكر من كل ما حوّله عن مساره الديني.

ولا أفهم كيف تنسى النخب المتواطئة اليوم كل هذا التاريخ المظلم للبشر باسم الدين. هذا لا يبرر أية جريمة، لكن يجب أخذ الظواهر بنوع من التأمل والتبصر. فجأة أطلق سراح الوحش الداخلي الذي يعيش في أعماق البشر. فقد ظهرت، في الثلاث سنوات الأخيرة، سلسلة من النصوص التي تتنافس في درجة عنصريتها تجاه المهاجر الذي ليس ملاكا بكل تأكيد، ولا شيطانا رجيما، أو الوافد المسلم، والعربي تحديدا. من كتاب آلان فلكنكراوت: الهوية الشقية الذي استعاد فيه كل الثقافة العنصرية مهما كانت الأقنعة الخارجية، إلى كتاب إريك زمّور، الانتحار الفرنسي الذي لم يخرج فيه عن أطروحاته العنصرية المعروفة التي تلامس الفكر النازي في الكثير من عناصرها، إذ قال مثلا، علانية قبيل مقابلة ألمانيا والبرازيل، في كأس العالم، إن ألمانيا هذه المرة، ستُهزم بسبب اللاعبين من أصول أجنبية الذين اختارهم المدرب، ألمانيا كانت تربح عندما كان بها فقط العناصر الألمانية الصافية.

في المساء نفسه من هذا التصريح العنصري، انتصرت ألمانيا على البرازيل 7-1 قبل أن تصبح بطلة العالم بعد أيام قلائل. صفعة حقيقة. موقف يذكر بهتلر عندما انسحب وهو يشاهد الرياضي الأمريكي الأسود جيس أونز يفوز بأربع ميداليات ذهبية في العاب برلين الأولمبية في 1936، مناقضا لأطروحاته العنصرية حول الجنس الآري. ورواية ميشيل هولبيك الخضوع، التي لم تخف مطلقا عنصريتها المعلنة. المشكل في هذه الكتب ليست عنصريتها فقط، لكن رواجها الواسع، مما يوحي أن وراء ذلك آلة جهنمية تصنع يوميا الرأي العام لتقبل عنصرية منحطة، كما حدث في نهايات القرن التاسع عشر، مع حملة معاداة السامية التي نتج من ورائها ما سمي بقضية دريفوس المعروفة. لكن هذه الآلة المتوحشة وجدت في طريقها وقتها، رجلا كبيرا في شخص إميل زولا الذي اعترضها وقاومها برسالته الخالدة «إني أتهم» والتي أدان فيها الممارسات اللاّسامية، ودافع عن دريفوس العسكري الذي اتهم بالخيانة العظمى والتخابر مع العدو الألماني، فقط لأنه يهودي. زولا غيّر الرأي الرسمي والعام أيضا على الرغم من مطاردته ومنفاه. هؤلاء المثقفون الكبار ينقذون ما يمكن إنقاذه بخروجهم عن بؤس الرؤى السهلة والمهيمنة. تزفتان تودوروف Tzvetan Todorov، وريث هذه العقلية المتنورة التي خرجت من دائرة سيطرة المثقف الإعلامي والوظيفي، المسخر للدعاية الرخيصة. فقد تصدى للكثير من الأوهام المتسيدة في كتابه الأخير:La peur des Barbares الخوف من البرابرة. وهو رد صريح على رواد الأطروحات العنصرية والحروب الحضارية. يقترح في كتابه العودة أولا إلى المصطلحات المكونة لتحليلات هذه النخب الرثة والمؤدلجة بشكل أعمى. يعود إلى مفهوم الثقافة في اتساعه. الأمم التي يقال عنها إنها متخلفة، تنجب أيضا ثقافات عظيمة تعطيها توازنها، نجد اليوم ملامحها في الثقافات العالمية. من يشكك في الثقافات الهندية والصينية والآسيوية والأفريقية والعربية ودخولها في نسيج الثقافات العالمية؟ ثقافة المايا والأزتك من يقلّل من حضورها في الممارسات الفنية اليوم؟ الحضارة كيان متسع والبشر الصغار هم من يعمل على تضييقه. البشرية إذا أرادت أن تعيش مع بعضها البعض Le vivre ensemble عليها أن توسع من رؤاها وتقبل بالمنجز البشري والديمقراطي كمنجز عام وتخرج من فكرة صدام الحضارات، فالبشرية لم تعرف إلا حضارة واحدة، هي حضارة الإنسانية، التي تعني إشراك الإنسان أينما كان في الفعل الحضاري وجعله يكبر داخل لغة تسمح له بالتفكير وإنتاج المعنى الثقافي الذي يرقّيه ويرفع من قيمته. البربري والمتوحش، هو كل من يسرق من الإنسان حقه، بشكل معلن أو سري، في الإنسانية، فيسمح بإهانته وتعذيبه مجانا، وسجنه بلا حق. الثقافات التي تبدو خاصة، ليست منعزلة أو ثابتة بكل هذا القدر، فهي تتقاطع وتتجاذب فيما بينها، وتتأنسن وتؤنسن باستمرار من خلال تماهيها في الثقافات الإنسانية. يمكنني أن أكون بروتونيا، كما يقول تودوروف، وفي الوقت نفسه كاثوليكيا، ومن أصول أفريقية، وفرنسي الجنسية.

وكل ثقافة من هذه الثقافات، هي في النهاية مكسب إيجابي، بل وسيلة تنوع، وهو ما يشكل الهوية المفتوحة. ومن حق الإنسان أن يختار الثقافة التي ينمو فيها من دون أن ينعزل، لأن العزلة معناها الموت والتطرف والإقصاء. ويمكننا أن نسوق أمثلة كثيرة في هذا السياق. يمكنني أن أكون مثلا صينيا، وتربيت في العراق، وأتقن اللغة العربية، وانجليزيا في جنسيتي الثانية حيث أعيش، ومسلما. لا حدود بين الثقافات إلا ما يصنعه الإنسان من حواجز قاتلة تحوله مع الزمن إلى وحش مدمر لكل ما لا يشبهه. كل تحجيم وتصغير لمجالات الهويات، هو استعداء وقتل لما يمكن أن ينشئ التعددية واتساع الأفق. من الصعب إذن تنضيد الهويات والثقافات، ولصق الإنسانية بواحدة، والإرهاب بأخريات. ما يسمى بالثقافة الغربية المتعالية، تودوروف يرفض هذا التصنيف من حيث المبدأ، كانت وراء التنوير والحداثة والديمقراطية، وأنجبت بيتهوفن ورامبرانت وبيكاسو وميرو، ولكنها كانت وراء حربين عالميتين مدمرتين، ووراء محتشدات أوشويتز، والحروب الاستعمارية التي خلفت وراءها ملايين الضحايا. لقد أظهرت الثماني سنوات الأخيرة قدرات الديمقراطية الغربية على خيانة مُثُلِها العليا، فسجنت، وعذّبت، وقتلت بلا حق، كل من قررت أنه بربري ومتوحش. سيكون الإنسان حضاريا يوم يترك لكل إنسان الحق في ثقافته، ما دامت هذه تقبل بالآخر ولا تعتبره بربريا أيضا. اهتم تودوروف في كتابه هذا بفكرة الخوف من الإسلام.

وقام بتحليل ثلاثة أمثلة عاشها العالم في السنوات الأخيرة: مقتل السينمائي الهولندي تيو فان غوخ، وتهديد الكاريكاتوريين الدنماركيين الذين سخروا من نبي المسلمين. وبابا الفاتيكان الذي قارن بين تسامح المسيحية وعنف الإسلام. وبين تودوروف أن العنف ليس حكرا على الإسلام ولكنه مربوط بأوضاع وتحولات عميقة يمتزج فيها اليأس بالهزيمة والإقصاء. وعلى العكس من صدام الحضارات يقترح تودوروف العديد من الكتل البشرية، كتلة الرغبة ويضع فيها دولا مثل البرازيل والهند والصين أي الدول التي تريد أن تصل إلى مستوى من التطور والغنى يضاهي المستوى الأوروبي. وكتلة التحسر، وتضم الدول العربية والإسلامية التي لم تستطع الخروج من التخلف، سلاح استعملته الدكتاتوريات العربية لإخفاء عجزها. إضافة إلى كتل أخرى، مثل كتلة الخوف، الخوف من الآخر كما في أوروبا، الذي يدفع إلى الانغلاق المؤدي إلى الحروب. من خلال هذه الصعوبات ناقش تودوروف مفهوم الهوية الأوروبية، التي تكمن وحدتها في قدرتها على التسيير والاعتراف بالهويات الجهوية والوطنية والدينية، والاستفادة من تعدديتها. الهوية الروحية في أوروبا لا تعني محو الثقافات الخاصة والذاكرات المحلية.


في الأربعاء 11 مارس - آذار 2015 10:49:10 ص

تجد هذا المقال في وكالةالأنباءالدولية
http://internationalnewsagency.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://internationalnewsagency.net/articles.php?id=478