الكاتب/واسيني الأعرج
طباعة المقال طباعة المقال
الكاتب/واسيني الأعرج
سنة عربية أخرى للنسيان... الرقابة وتضييق مساحات الإبداع
الصندوق الأسود لداعش !
التوجه نحو الشرق الثقافي ترجمة الأدب الصيني
ترسخ الوحش العنصري في أوروبا
رهان الكتابة وحده الأبقى
الهولوكست العربي
تغييب العقل النقدي حول إشكالية العاميات في الجزائر
أن نكون أو... نكون الرواية في مواجهة عاصفة الانهيار
الكوابيس العربية
مخاطر الانهيار العربي: تونس مرة أخرى في عين السّيكلون

بحث

  
لعبة اليمين المتطرف، ونهاية الديغولية؟
بقلم/ الكاتب/واسيني الأعرج
نشر منذ: 3 سنوات و 6 أشهر و 7 أيام
الأربعاء 16 ديسمبر-كانون الأول 2015 07:35 م

أعتقد جازما أن الديغولية انتهت في فرنسا أو تكاد، كفلسفة حرية، وكخيار ثقافي وسياسي أيضا، اتسمت به الخصوصية الفرنسية مدة طويلة. نستطيع أن نقول ما نريد عن الديغولية كحركة هاجسها الحرية وتقرير مصير الشعوب، ولكن أيضا كنظام لم يتخلص من خياراته الاستعمارية، قضية الجزائر مثال حي لذلك، لكن في وقته أيضا منحت الفرصة للشعب الجزائري أن يختار مصيره بعد حرب تحررية دموية خلفت قرابة المليوني ضحية. لا يمكن أن نهمل، مهما كانت المبررات، الدور الحيوي الذي لعبته الديغولية في ترسيخ الخصوصية الفرنسية لتفادي المد الأنجلوساكسوني، ثقافيا، ولكن أيضا عسكريا، إذ رفض الجنرال دوغول دوما الانضواء تحت لواء الحلف الأطلسي وقراراته محاولا، بصعوبة، تحقيق خيارات فرنسا الاستقلالية عن الحلف الذي تتسيده أمريكا، والحفاظ على القرار الفرنسي خارج التأثيرات القطبية. الحصول على القنبلة النووية وضع فرنسا خارج أي ضغط أو اعتداء محتملين، وهو ما جعلها تحافظ على صداقتها مع العرب في عز الصراعات الدولية، ولو أن القضية الفلسطينية كثيرا ما جعلت السياسة الفرنسية على المحك، فظلت تتأرج بين إرضاء الخروف والذئب في الآن نفسه. وكثيرا ما كانت بعض قرارات الديغولية مخيبة في هذا الموضوع، ولكن أيضا، كثيرا ما تسببت في غضب إسرائيلي كبير بسبب الموقف الفرنسي المنحاز للقضية.

آخر الديغوليين كان جاك شيراك، لأن الذين خلفوه لبسوا لباساً أكبر منهم، قبل أن يختاروا المسلك الأسهل الذي لا يختلف كثيرا عن سياسة اليمين المتطرف. بهذا المعنى، فشيراك وهو آخر من حافظ على هذا الإرث العظيم، مما عرضه للمضايقات من الإسرائيليين في إحدى زياراته للقدس، وتسبب ذلك في غضبه الشديد. كان ذلك انتقاما من الموقف الفرنسي الميال الى حل الدولتين، وضد الحلول المتطرفة واتساع رقعة الاحتلال بشكل اصبحت كبريات المدن الفلسطينية مهددة بالابتلاع النهائي، وعلى رأسها القدس.

نهاية فترة شيراك اتسمت بالهشاشة وصعود التطرف ودخول اليمين المتمثل في ساركوزي في ساحة التطرف على الرغم من اللعب الظاهري على الحبلين. فجأة أصبح المغترب والعربي والمسلم والإفريقي، هو المتسبب في المعضلة الاقتصادية والأمنية. وتم إهمال المأساة الاجتماعية والأحياء المعزولة وغيرها كلياً، التي تحولت في بعض المناطق في باريس وليون ومارسيليا وغيرها، إلى كانتونات شبيهة بالغيتو، معزولة، بمشكلات كثيرة تحتاج إلى حلول اجتماعية مقرونة بالحل الأمني وليس العكس.

وهو الخطاب الذي جاء به الرئيس ساركوزي، حيث تحول اليمين المتطرف وخطاباته العنصرية الى حالة طبيعية. الكثير من وزرائه لم يكلفوا أنفسهم حتى الاعتذار عما صدر عنهم من ردود فعل عنصرية، بينما القانون يجرم العنصرية، فماذا عندما تأتي هذه الأخيرة ليس فقـــــط من وزرائه ولكن أيضـــــا من فم الرئيــــس نفسه الذي استعمل كلمة racaille التي تعني الحثالة، في توصيفه لسكان الضواحي. وكان وراء مسؤولية انتفاضة الأحياء التي لم تكن لا عرقية ولا دينية ولكنها كانت اجتماعية ومطلبية وضد الظلم والتفرقة في مجتمع كان يسير وفق حركتين. واحدة سريعة وأخرى غير متواترة، ثقيلة. غلفت المشكلات بقضية الحجاب والإسلام الراديكالي مع أن فرنسا تملك ترسانة من القوانين التي تسمح لها بتطبيق قانون العلمانية الذي يمس كل الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية. تطبيق القانون يحمي المدرسة من كل الانزلاقات الدينية والعرقية ويحافظ على علمانية المجتمع.

لا اعتقد أن بلدا كان سباقا في القوانين المدنية في حاجة الى قوانين جديدة بهذا الخصوص. التفعيل هو الذي كان ينقصها. حتى قوانين الجنسية الجديدة لا اعتقد انها تحتاج للتجديد ما دام قانون نزع الجنسية موجود في حالة الاخلال الخطير بمصالح الأمة.

هناك عنصرية تتأكد في الأفق، تتبناها تيارات كثيرة في أوروبا وأمريكا التي تحول المسلم والعربي إلى ضحية العصر والتيه الجديد. لهذا ليس عودة اليمين المتطرف إلى الواجهة إلا الرحلة الطبيعية لفشل اليمين، وحتى اليسار الاشتراكي الذي أصبح بدوره يجرب اللعب في نفس ميادين اليمين المتطرف. وهذا يدل على فشل في التفكير ولهذا بدل التفكير والتأمل المتفحص، تحل المختزلات السهلة كالعنصرية والعربي والمسلم والإرهابي والدوران في طاحونة التطرف التي تجد المناخ المناسب لممارسة إخفاقاتها. لأن حتى اليمين المتطرف الذي يلوح بحل طرد المغتربين ليس أكثر من فزاعة وواجهة، لأن القوانين الفرنسية والمجتمع المدني الصلب لا تترك الأمور تمر بسهولة. هناك دائما قوى احتياطية في فرنسا تشكل قوة الصد الأخيرة. في أصعب ظروف الحرب العالمية الثانية، وفي عز المحارق، وجدت القوة الهشة في المجتمع، حمايتها في المجتمع نفسه الذي كان في النهاية من وراء تحرير فرنسا من مخالب النازية. ما يحدث حاليا تم التهييء له بشكل واضح في الفترة الساركوزية الذي يستعد للعودة كبديل لليمين المتطرف وكأن المعركة حسمت نهائيا بين يمين لا أفق له إلا عنصريته ويمين لا أفق له إلا اللعب في نفس الساحة أملا في تحوير بعض الاصوات المتطرفة نحوه. ولا نستغرب أن تكون الضحية مرة اخرى نفسها. انتخابات المناطق الأخيرة كانت حاسمة إذ أن الكثير منها كانت ستسقط بين مخالب اليمين المتطرف لولا ردة الفعل الشعبية، والتصويت الجمهوري le vote républicain الذي أنقذ كل ما يمكن إنقاذه. جزء كبير من الشمال الفرنسي ومناطق عبور المهجّرين نحو بريطانيا كان في حالة التأرجح المائلة نحو اليمين المتطرف. لو نجح لوجد الآلاف من العابرين نحو إلدورادو الوهم ببريطانيا أنفسهم في وضعية لا يحسدون عليها.

مع أن فرنسا لا تعني لهم أكثر من منطقة عبور. انهار التضامن الانساني الذي كان واحدة من السمات الفرنسية إلا في حدود شديدة الضيق. الدولة الراعية أجبرتها الأعمال الإرهابية الأخيرة إلى تغيير استراتيجيتها ليس نحو الصرامة القانونية التي هي حق لأي بلد لحماية مواطنيه وعدم التسامح مع الحركات الإرهابية وتفعيل القوانين النائمة ضد الإرهاب والاعتداء على المجتمع. أصبحت المختزلات هي أفضل وسيلة لتحميل العربي والمسلم كل تبعات البطالة وإخفاق السياسات الاجتماعية.

اليمين الجمهوري لم يعد قوة مقترحات بل أصبح متماهياً، في الكثير من ممارساته، مع اليمين «اللوبيني». سمى نفسه بالجمهوري أسوة بالنموذج الأمريكي «البوشي» المعروف، الذي كان وراء تدمير البنية العسكرية والدولة في العراق، فاسحاً المجال لتنظيم داعش لكي يتأسس وسط الخراب العراقي، فينساق نحوها آلاف البعثيين من الضباط والحرس الجمهوري الذي اختفى فجأة، وجدوا أنفسهم بين يوم وليلة بلا قيادة حقيقية، ويشكلون اليوم الدرع العسكري الحي لداعش الذي لم يكن شيئاً قبل هذه الفترة. هذه هي مكاسب الجمهوريين الأمريكيين التي أسرت ساركوزي وحاول تقليدها. لا يختلف كثيرا مع المرشح الجمهوري الأمريكي للرئاسة، الذي عبر عن موقف عنصري من الإسلام، لم يسبق إليه. الفرق بين ساركوزي وفريقه ومستشاريه، والمرشح الجمهوي الأمريكي، هو أن القانون الأمريكي يبيح ذلك، بينما القانون الفرنسي يعاقب عليه. لكن الوحش سيفلت من عقاله نهائيا، إذا استمرت الأوضاع في فرنسا على ما هي عليه اليوم أو تدهورت أكثر بسبب التهديدات الإرهابية الإجرامية التي تعطي كل المبررات لليمين المتطرف لكي يملك شرعية جديدة. . يتحمل اليمين الجمهوري جزءا من المسؤولية بسبب العمى والأنانية وقبول اللعب على الاسلاموفوبيا والتخويف وخطر الأجنبي على الخصوصية الثقافية والدينية، قبل اليمين المتطرف الوفي لأحقاده التقليدية ضد الأجنبي والمغترب العربي أو الإفريقي أو المسلم. لا أعتقد أن وضعا مثل الذي عاشته فرنسا في انتخابات المناطق، الأخيرة، والذي وضع فرنسا على حافة المخاطر، كان يمكن أن يحدث لو استمر اليمين التقليدي في نظرته الديغولية وطورها بما يتلاءم وتحولات المجتمع الفرنسي الجديد.

 

القدس العربي

تعليقات:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 0 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع وكالةالأنباءالدولية نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز ??? ??????? حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى آراء واتجاهات
آراء واتجاهات
الداعية/سلمان العودة
إحساس بالألم
الداعية/سلمان العودة
الدكتورة/إبتهال الخطيب
آراء متبرجة
الدكتورة/إبتهال الخطيب
الكاتب/واسيني الأعرج
سنة عربية أخرى للنسيان... الرقابة وتضييق مساحات الإبداع
الكاتب/واسيني الأعرج
الكاتب/فؤاد العلوي
من هو الخصم المفترض لداعش في اليمن؟
الكاتب/فؤاد العلوي
الإعلامي/فيصل قاسم
دموع التماسيح الغربية
الإعلامي/فيصل قاسم
الكاتب/واسيني الأعرج
الصندوق الأسود لداعش !
الكاتب/واسيني الأعرج
المزيد