الكاتب/واسيني الأعرج
طباعة المقال طباعة المقال
الكاتب/واسيني الأعرج
سنة عربية أخرى للنسيان... الرقابة وتضييق مساحات الإبداع
لعبة اليمين المتطرف، ونهاية الديغولية؟
الصندوق الأسود لداعش !
التوجه نحو الشرق الثقافي ترجمة الأدب الصيني
ترسخ الوحش العنصري في أوروبا
رهان الكتابة وحده الأبقى
الهولوكست العربي
تغييب العقل النقدي حول إشكالية العاميات في الجزائر
الكوابيس العربية
مخاطر الانهيار العربي: تونس مرة أخرى في عين السّيكلون

بحث

  
أن نكون أو... نكون الرواية في مواجهة عاصفة الانهيار
بقلم/ الكاتب/واسيني الأعرج
نشر منذ: 4 سنوات و 11 شهراً و 27 يوماً
الأربعاء 12 أغسطس-آب 2015 09:00 م

تبدو الرواية من أكثر الفنون تحسسا لما حدث وسيحدث في العالم. تراقب تفاصيل الأوضاع في تحولاتها القلقة الصعبة، وتحاول أن تنجز قراءتها الخاصة لما يحدث وسيحدث من خلال وسائطها الأدبية والفنية، راسمة قلق العصر والإنسان. منجزة قراءة غير سياسية، وغير تاريخية، وغير اقتصادية أيضا، ولا حتى نفسية، لكنها قراءات تتبطن كل هذه العناصر مجتمعة وغيرها، من خلال خياراتها الأساسية، الأدبية والفنية.


تسير الرواية العالمية في هذا السياق، عبر ثلاثة مسارات. إما عن طريق تصوير ما هو قائم وفق ما تقرأه مبرزة الحالات الإنسانية الأكثر جدارة بالاهتمام في مجتمع يتحرك في شكل مد وجزر. وإما عن طريق تحديد مسارات المستقبل من خلال رسم حاضر بائس، لا يكشف عن أي أمل، ولكنها من حيث هي نص للحرية، تمنح أملا لأنها تتجاوز المعطى النقدي وتنحاز للتاريخ في مختلف تقلباته التي تتجاوز أهواء الأفراد. المسار الثالث، هو مسار الرواية الاستشرافية، أي الرواية التي تشتغل على موضوع لم يوجد بعد، لكنه محتمل الوقوع، لأن رواية هذا النوع هي ثمرة لتحليلات كثيرة، ولتبصر وتبطن كبيرين، وقراءات مختلفة تمس كل الحقول الإنسانية الكبيرة، لأنها تراهن في النهاية بصدقها، لهذا هي مجبرة على القراءة الجيدة أو الإخفاق المريع. فهي تخرج من دائرة الحاضر وحتى المستقبل كما نعرفه، وتتجه نحو رسم دراما العالم المقبل من خلال الأسطورة، أو العينات التخييلية التي ترمي بنا بعيدا في عالم يبدو غير واقعي لأنه غير موجود، لكن الزمن الذي يلي، يظهر إلى أي مدى كانت تلك النصوص صائبة أحيانا أكثر من تحاليل العلوم الإنسانية المختلفة. ابن خلدون مثلا كان دقيقا في تشريحه. فقد زامن نهاية عصر منهار، وبداية شيء شديد الغموض، أو هو في طور التكوين. يكاد ابن خلدون يكون ابن عصرنا وليس عصر الانحطاط. فقد وصف حاضر زمانه من دون تردد وعبر عن النزعة التدميرية عند الإنسان المتخلف والمعادي للعمران والحضارة.

لقد عرف كيف يقرأ زمنا هو في طريقه إلى الانتفاء والتبشير بزمن ليس بعيدا عن الزمن الداعشي اليوم والذي لا يرتاح إلا إذا دمر كل معالم الحضارة. من قرأوه شكليا اتهموه بكل الصفات القبيحة أقلها التمييز والعنصرية، لكن الذين يتأملون اليوم المشهد السياسي، يعرفون جيدا كم كان هذا الرجل عظيما وكبيرا وحادا في صدقه. جهده يكاد يكون الصورة المعكوسة لما قام به الروائي الفرنسي الكبير جول فرن Jules Vern الكاتب المعولم الذي لم يكن فرنسيا فقط، لكنه كان عالميا، وقف بدوره عند حدود رؤية عالم يتحرك ويصل إلى أقاصيه ليحل محله عالم آخر، جعل من الثورة الصناعية كل رهاناته.

ويبدو أن نهايات العصور تتجلى بشكل شبه دائم بصورة دراماتيكية وقاسية، وكأن الجهد الإنساني الذي وصل، في حالة من الحالات، إلى سقفها يحتاج أن يخرج منها ليستمر في التطور. فقد شكلت حرب الانفصال الأمريكية رهانا بالنسبة لجول فيرن في مواجهة مجتمع صناعي جهنمي هاجم بعنف فجأة، ملغيا بأنانية الوجود الإنساني بوصفه القيمة المتعالية. فقد تفرغ جول فيرن للتصورات العلمية الجديدة، الحاضرة والمرتسمة في الأفق، التي بدت في حاضر الكتابة الفيرنية شيئا خارقا ولا عقلانيا وقاسيا، قبل أن تتحول إلى مسألة عادية بعد عشرات السنين مع الاكتشافات الكبيرة. فقد افترض جول فيرن عالما صناعيا مخيفا بدا مبالغا في زمانه كتخيل الطائرات والصواريخ والغواصات البحرية، على الرغم من انه لم يكن لا بحارا محترفا ولا عالما في الفضائيات والفيزياء. كان لا يغادر مكتبه، ولا يعرف شيئا آخر غير الكتابة التي كانت رهانه الأول والأخير.

الكثير من الاكتشافات تدين له اليوم بقدراته التخييلية الخارقة. المهم أنه اخترق غلاف الحاضر كليا ليجد نفسه في عالم أخر كان بصدد التكون والتشكل. نبه للتصنيع الأعمى الذي يمكن أن يؤدي بالإنسانية إلى الخراب الكلي. ولم تكن عمليتي هيروشيما وناغازاكي إلا الصورة الدرامية لما نبه له قبل قرن تقريبا جول فيرن. فقد وصفت رواياته في القرن التاسع عشر الحالم بزمن آخر، التغيرات العميقة في علاقة الإنسان بالطبيعة وبالزمن المتسارع الذي كان يعيشه. من هنا صنف الكثير من النقاد جهود جول فيرن في خانة أدب الخيال العلمي. مع أن المصطلح ليس دقيقا، لأن كل علم مقرون بالضرورة بالتخييل والمحيط والعلم، وإلا ما وجدنا صياغة العالم المادي روائيا بالشكل الذي نراه اليوم.

خرج من غلاف الصراعات التي كان يشهدها عصره نحو صراعات أخرى أكثر صعوبة لم تكن مرئية وقتها كالسباق نحو التسلح. لكن أهم نص، كانت نظرته بعيدة في نظام تخييلي اجتــــماعي توقع فيه تغيرا جوهريا في نظام الأشياء، هو ورواية جورج أورويل 1984 الذي أمام انســـــداد الحـــــرب العالمية الثانـــية وقسوتها، كان لا بد له من رؤية تخــــترق السائد وتفــتح العوالم التي انغلقت على نفسها.

لكن هذه الرؤية لم تخلق مستقبلا مضيئا كما تريد النظريات المثالية الكاذبة التي لا تعتمد على التاريخ ولكن على العواطف المريضة. صور عالم أورويل مخاطر حرب باردة مدمرة كانت ترتسم في الأفق، وتسيد ديكتاتورية تحمل كل مواصفات العدمية. في الوقت الذي كان يحتفل الناس فيه بالانتصار على النازية كأخطر الأشكال الديكتاتورية.

دكتاتورية الأخ الأكبر ليست في النهاية إلا العدمية التي تلغي كل شيء وتضع نفسها بديلا. وهي العدمية الداعشية نفسها التي تعود اليوم من خلال أشكال مختلفة، لكن الجوهر واحد هو انتفاء قيمة الإنسان وسرقة إنسانيته. كل ما فعله أورويل الذي كان يبدو بعيدا بمسافة خمسين عاما عن مجتمع كانت بذوره ظاهرة. لم يعشه ولكنه كتبه بدقة. أخذ الوقائع لا في مشهديتها التبسيطية الخارجية، لكنه تعمقها بقوة. ولهذا جاءت روايته راصدا استباقيا لما نعيشه اليوم من حيرة وهزائم ولصوصية وسرقة الحكم إلى غير ذلك.

ومن يتأمل أوضاعنا سيدرك بسهولة أنها لا تختلف عن الظروف التي سبقت الحرب العالمية الثانية من حيث تفاقم الأزمات الاقتصادية والاستيلاء المبكر على مصادر الطاقة التي تستبق فيها أمريكا وقتا لم يعد في صالحها، مع العودة المتسارعة، القوية، للدب الروسي والتنين الآسيوي الذي تتزعمه اليوم الصين.

والهند التي تسيطر أيضا على سوق الكمبيوتر غـــير كونها دولة نووية مثل بقية الدول، أي أنها في منأى مــــن الاعتداءات. ويمكن إضافة إسرائــــيل، التي، بطـــريقـــة غير معلنة أصبحت لها يد في السوق النفطية العالمــــية بتدخلها العلني في منطقة الأكراد العراقية، والانفصال السوداني وإثيوبيا، حيث وجودها الاستراتيجي لم يعد سريا نفطيا فقط، لكن هناك رغبة إستراتيجية في الاستيلاء على مصادر المياه في فلسطين والأردن ولبنان، وفي السنوات الأخيرة على مياه النيل من خلال تحجيم ما يصل إلى مصر والسودان وبناء سدود كثيرة منها سد النهضة الذي سينزل من منسوب المياه التي يتم توجيهها بحسب إرادات القوة التي تقف من الوراء.

وكل هذه الدول تملك القنابل النووية ما يجعل قيام حرب مصالح بينها أمرا شبه مستحيل. فتجري الحروب بوساطة دول ضعيفة عسكريا، ولكنها غنية، وبالتالي فهي في حاجة إلى حماية.

استعمار جديد بالكاد مقنع، يشرف على حروب يذهب ضحيتها دائما الآخرون الذين لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

هل قالت الروايات العالمية والعربية، تحديدا، هذه الاستباقات وهذه الحالات العربية المعقدة؟ يحتاج الأمر إلى كبير تأمل.

تعليقات:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع وكالةالأنباءالدولية نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى حوارات وتحقيقات
حوارات وتحقيقات
دكتور/سعد الدين العثماني
الدين والسياسة .. تمييز لا فصل
دكتور/سعد الدين العثماني
المزيد