الكاتب/واسيني الأعرج
طباعة المقال طباعة المقال
الكاتب/واسيني الأعرج
سنة عربية أخرى للنسيان... الرقابة وتضييق مساحات الإبداع
لعبة اليمين المتطرف، ونهاية الديغولية؟
الصندوق الأسود لداعش !
التوجه نحو الشرق الثقافي ترجمة الأدب الصيني
ترسخ الوحش العنصري في أوروبا
رهان الكتابة وحده الأبقى
الهولوكست العربي
تغييب العقل النقدي حول إشكالية العاميات في الجزائر
أن نكون أو... نكون الرواية في مواجهة عاصفة الانهيار
الكوابيس العربية

بحث

  
مخاطر الانهيار العربي: تونس مرة أخرى في عين السّيكلون
بقلم/ الكاتب/واسيني الأعرج
نشر منذ: 5 سنوات و شهرين و 21 يوماً
الخميس 09 يوليو-تموز 2015 12:00 ص

لمن لا يعرف السيكلون وحتى أعفيكم من الرجوع إلى قواميس الأساطير، مصدر الكلمة يوناني kyklos وتعني الدائرة. هي عواصف استوائية عنيفة برياح مضغوطة، قد تتجاوز 400 كيلومتر (سيكلون أوليفيا)، محملة بالغيوم الثقيلة، وتدور حول نفسها بشكل محوري مشكلة مركزا متحركا ومدمرا، مثل سيكلون كاترينا بلويزيانا بالولايات المتحدة. أن يكون الإنسان في عين السيكلون، يعني أنه في عمق الدوامة.

هي الحالة التي وُضِعتْ فيها تونس عن قصدية مسبقة ومحسوبة، بعد تعرضها لعملية إرهابية خطيرة (القنطاوي سوسة)، جعلتها على حافة الانهيار والاختناق. الهدف الظاهري والواضح تماما، هو ضرب السياحة، العصب الأساسي ليس فقط للاقتصاد التونسي، ولكن لاستمرار الحياة في هذا البلد العربي الليبرالي والمدني الأوحد. ضرب لسلطة الدولة كضامن للانتقال السلمي نحو المجتمع الديمقراطي والمدني، وإظهارها في حالة ضعف، وانهيار يخدم بشكل واضح أجندة محلية ودولية لا تريد للعرب أي خير.

لا يمكن قبول ظهور النموذج الديمقراطي في مجتمعات اتصفت بالدكتاتوريات المتعاقبة أو أنظمة القرون الوسطى، أو بثورات التدمير الذاتي على مرأى من العالم. 

النموذجية معدية بالمعنى الإيجابي. التحليل البسيط والأولي يبين بشكل واضح، بأن الذين أعلنوا الحرب على تونس، أي التيارات الإرهابية، اتصفت بالداعشية أو بمشتقاتها، من الحركات الأصولية المتطرفة المتخفية تحت الأغلفة المختلفة، وفلول النظام السابق الذين لا يهمهم مطلقا نجاح التجربة الديمقراطية التونسية التي بينت قدرة كبيرة على استيعاب التناقضات بالتفكير في حكومة وطنية، ودستور خال من كل المرجعيات الأيديولوجية سياسية كانت أو دينية، أي وثيقة جامعة وليس مفرقة، وهو ما لم تقم به أية دولة عربية التي جعلت من دساتيرها ميدانا للصراعات الإيديولوجية ومصالحة يحكمها النفاق والحسابات السياسوية أكثر منها المصلحة العليا للوطن.

فلول النظام السابق تتحمل مسؤولية كبيرة في تعميق هذا الخلل لأنها سيدة النظام الأمني بمختلف مؤسساته، فهي تعرفه في العمق وتعرف أيضا نقائصه. هذه الفلول هي من رمى بالآلاف وربما بالملايين من المواطنين على هامش الحياة واليأس، بلا أمل إلا أمل ملاقاة الله؟ بأكثر الطرق جعله الخطاب الخرافي العدمي الأعمى حقيقة ملموسة، من خلال الفعل الإرهابي الانتحاري. الشاب سيف الرزقي، الذي نفذ عملية فندق سوسة لم تكن لدية أية استراتيجية للهرب، وكأنه هو نفسه فوجئ كيف بقي حيا بعد تنفيذه للجريمة؟ ظل يمشي مدة طويلة نسبيا، على الساحل بسلاحه، ثم في الطريق، مثل آلة، بلا روح، سلاحه موجه نحو الأرض كمن ينتظر الموت، كما يبين بعض تسجيلات مصورين هواة والشهادات، واختار بدقة ضحاياه الأجانب ولم يمس أي تونسي. عمل مثل هذا مهما كانت أشكاله التحضيرية، نتائجه جد وخيمة لأن ما ينتظر تونس قاس لأنها أرادت أن تخرج من دائرة حروب اللامعنى وتتحول أيضا إلى نموذج يمكن الاقتداء به.

يمكننا أن نقول ما نشاء عن الحركة الإسلامية في تونس، فقد قبلت في النهاية باللعبة الانتخابية، وانخرطت في الفعل السياسي بالكثير من الذكاء لأنها تدرك مسبقا أنها إذا امتلكت تعاطف نصف السكان، فالنصف الآخر ينظر لها بعين الريبة، وعلى العكس من الحركة الإخوانية في مصر التي ظلت رهينة المرشد العام حتى عندما فازت وأصبحت تمثل وطنا وليس تيارا سياسيا. يشكل إسلاميو تونس اليوم القوة السياسية الثانية التي لا يمكن التغاضي عنها من أجل استقرار البلاد.

وافقت بصعوبة على دستور مدني، وعلى إخراج الدين من دائرة السياسي، وأدانت الإرهاب. ومهما كانت ازدواجية الخطاب الذي تتصف به خطابات الحركات الإسلامية، إلا أن الحكم يكون ميدانيا وفي المسائل المفصلية سياسيا. ويجب أن لا ننسى أن الإسلام المنفتح على العصر ومنجزاته الثقافية والسياسية، في تونس، هو منظومة قديمة. هو ثمرة حية لما غرسته الزيتونة، بكل تناقضاتها، والخلدونية أيضا التي استوعبت الميراث العقلاني العربي الإسلامي والعالمي. هل تستطيع الحركة الإسلامية المتنورة في تونس أن تشكل نموذجا بالمعنى الاستراتيجي وليس التكتيكي، في التعاطي السياسي والوطني؟ على مستوى الخطاب كل شيء جيد، تبقى الممارسة اليومية هي المحك.

لأن التيارات تعلم أيضا من الحياة وتعيد ترتيب قناعاتها وتصويب أخطائها، وإلا فهي تحكم على نفسها بالموت. هذا سؤال مهم تواجهه اليوم الحركة الإسلامية في تونس، في التطرفات التي لا تقود إلا إلى الطرق المسدودة والموت المبرمج.

متى تصبح عندنا أحزاب إسلامية على شاكلة النموذج الأوروبي الذي وصل حتى السلطة في وقت من الأوقات مثل إيطاليا. أحزاب سياسية وليست دينية. يبدو الأمر صعبا، لأن الحزب المسيحي الديمقراطي أو الليبرالذي نشأ في أوروبا، حسمت علاقتها بالديني الذي انتقل من الدائرة العامة إلى الخاصة. وهو ما حفظه وأخرجه من الصراعات البشرية التي تتعلق مشكلاتها الكبرى مع الأرضي وليس مع ما هو سماوي. لهذا ما حدث في تونس حدث، ويجب أن لا يتكرر.

لكننا نعرف سلفا أن القتلة لن يتوقفوا عند هذا الحد. يمكنني أن أفترض سلسلة من الأعمال الإجرامية، المعبرة عن يأس أكثر من تعبيرها عن قوة، ستطال قوى اليسار والليبراليين والإسلاميين أيضا لتعميق حالات التطرف إلى أقاصيها وزرع البلبلة وسط الحلفاء أنفسهم الذين يشكلون اليوم الحكومة الوطنية التي تحمل على عاتقها مسؤولية نقل تونس إلى مرحلة النموذجية الديمقراطية، بحيث تصبح حالة لا رجعة فيها. هذه النموذجية الوطنية هي اليوم هدف أكيد للتطرف الإسلاموي الذي يشتغل وفق أجندة حقيقية، وليست الداعشية إلا أحد تجلياته التي تقتضي محاربتها على كل الجبهات، السياسية والثقافية والدينية والعسكرية. لأن المرجعيات الأيديولوجية الداعشية هي دينية أيضا، وتحتاج إلى تقويض علمي وعقلاني وديني. ترتكز هذه الأيديولوجية على الهزيمة والأحقاد، ورغبة محمومة لاستعادة ماض غير مقروء وغير منتقد. وهو ما يبرر العدمية والعنف الذي تتجلى به جرائم الإرهاب.

وتدمير كل ما يحيل إلى الماضي التاريخي الذي يشكل جاذبية ثقافية وحضارية تربط التاريخ الإسلامي بغيره من التاريخ البشري. المحصلة، مسح أية علاقة مع الثقافة الإنسانية، وزرع الظلام واليأس وإعطاء الإحساس بأن الزمن المقبل سيكون داعشيا أو لن يكون. وتحاول الداعشية أن تثبت ذلك ميدانيا. القاعدة لم يكن لديها مشروع تثبيت نموذجها على الأرض بالاحتلال والبقاء. أجلت كل شيء بعد انتصارها على الغرب، بالخصوص بعد انهيار تجربتهم في أفغانستان وكابول التي أخرجوا منها بعد فساد طال الزرع والضرع ووسع حقول المخدرات. المشروع الداعشي يختلف ليس على المستوى الأيديولوجي، لأن المآلات واحدة، لكن رهانه يتم على الأرض باحتلال نصف سوريا ونصف العراق وأجزاء من ليبيا، ومحاولة سيناء الفاشلة، وأفريقيا، تحت يافطات وأسماء مختلفة.

فهي تنغرس في أمكنة متعددة، بخطط مسبقة لتحويلها إلى قواعد هدفها النهائي الاستيلاء على الأرض لإنشاء دولة إسلامية واسعة، تتكون من مجموعة من الإمارات، على رأسها الأمير إبراهيم البدري (أبو بكر البغدادي) وتدين له بالمبايعة والولاء. وفق سلسلة من الحسابات الدولية يبررها الاستيلاء على حقول النفط والتواطؤ الإجرامي مع بقايا الأنظمة الديكتاتورية التي وفرت لداعش كل خبراتها العسكرية ونظامها الدموي. لا اختلاف بين جرائم الديكتاتوريات العربية وما تقوم به داعش إلا في المشهدية الإعلامية، وإلا ما الفرق بين سياسي معارض أذيب في الأسيد، أو شيوعي مناهض للديكتاتورية دُفِنَ حيا في حفرة، وأفرغت عليه الأطنان من البيتون؟ وإسلامي متنور، دفنت في رأسه رصاصات قاتلة، أمام عائلته؟ ماذا لو أخرجت هذه الإعدامات اليوم ليراها كل الناس كما تفعل داعش بمهارة؟ نحن أمام مشروع سلطة وحكم وفق منظور فاشي لا يختلف فيه عن الفاشيات التي شهدتها أوروبا في القرن العشرين، ونشأت دوما على أرضية من الخيبات الكبيرة، والهزائم المتكررة.

والفاشية تحارَب ولا حل آخر غير ذلك. إذا كانت قوة المنظومة العربية والدولية تريد حقيقة خوض حرب ضروس، من أجل الحياة، ضد داعش، لا حلّ آخر لها إلا بتجفيف منابع المال وتقويض الأيديولوجية الفاشية، غير ذلك، فهو تواطؤ معلن أو مخبوء. 

ضرب تونس ليس فقط ضربا لبلد اختار المجتمع المدني كرهان منذ البداية وهو ما حماه من السقوط فيما سقطت فيه الثورات العربية التي خسرت الدولة، ولكنه تدمير لنموذج هو في طور التكوين على أسس حقيقية: بناء وترميم مجتمع مدني بحقوق وواجبات، ودستور خالية مواده من الإشارات الأيديولوجية، جيش حرفي، وضع نفسه تحت تصرف الدولة كمؤسسة وليس السلطة، واختار واجبا دستوريا وهو الدفاع عن وحدة البلاد، ومدرسة خارج التجاذبات الأيديولوجية، مكان للعلم والمعرفة. واجب المثقفين العرب اليوم وكل متنوري العالم، العمل على حماية هذا الخيار والرهان عليه لأن نجاحه لن يكون تونسيا فقط، لكن عربيا أيضا. فهذه المرحلة الصعبة تحمل كل الآمال، لكن تحمل أيضا كل مخاطر الانهيار والانتفاء.

القدس العربي

تعليقات:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع وكالةالأنباءالدولية نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى آراء واتجاهات
آراء واتجاهات
الدكتورة/إبتهال الخطيب
حسد
الدكتورة/إبتهال الخطيب
الكاتب/صبحي حديدي
اقتصاد السوق وأشعة X
الكاتب/صبحي حديدي
الأديبة/غادة السمان
الحبيبة بيروت ترقص فوق تابوت
الأديبة/غادة السمان
الأديبة/غادة السمان
من يسرق بحر الفقراء في بيروت؟
الأديبة/غادة السمان
الإعلامي/فيصل قاسم
هل «داعش» نقمة على النظام السوري أم نعمة؟
الإعلامي/فيصل قاسم
الكاتب/فيصل علي
الواقعية هي الحل
الكاتب/فيصل علي
المزيد