الكاتب/صبحي حديدي
طباعة المقال طباعة المقال
الكاتب/صبحي حديدي
لصّ بغداد الأمريكي!
خيار الإرهاب الخارجي: هل تكرّ «داعش» أم تفرّ؟
ليالي البؤس في فيينا!
بريجنسكي يفكك بوتين: مقامر صالح للشراكة!
فصاحة البرميل وتأتأة الضمير
خطة دي ميستورا: النار الكاذبة... مجددا
امرأة نزار قباني
الرمادي: زراعة الشوك
اقتصاد السوق وأشعة X
الدروز والوطن السوري: معادلة الصوت والصدى

بحث

  
إليوت: مسيحي أم معاد للسامية؟
بقلم/ الكاتب/صبحي حديدي
نشر منذ: 3 سنوات و 8 أشهر و 18 يوماً
الإثنين 26 يناير-كانون الثاني 2015 06:47 م

على امتداد أسابيع قليلة، خلال النصف الثاني من العام المنصرم، صدرت باللغة الإنكليزية ثلاثة أعمال نقدية، جادّة ورصينة، كما يتوجب القول على الفور؛ تتناول الجوانب المسيحية في شخصية الشاعر والمسرحي والناقد الأنغلو ـ أمريكي ت. س.

 إليوت (1888 ـ 1965)، وكيف انعكست في أدبه وتفكيره، خاصة الشعر، الذي كان فيه طليعياً وحداثياً. أعمال أخرى، متزامنة، أعادت قراءة التأثيرات الشرقية في شعره، وتوقفت عند التراث الروحي الهندي تحديداً، كما عقدت مقارنات مع شاعر الهند الكبير رابندرانات طاغور.

وهكذا، وقّع دوغلاس أتكين كتاباً بعنوان «ت. س. إليوت وإشباع الشعريات المسيحية»، يتعمق في الرباعيات تحديداً، ويتقصى في أصواتها المتعددة عناصر تجسيد يسوعية لا تخفى، ونزوعات طهورية أقلّ جلاءً ولكنها ليست أوهى احتفاءً بالرموز المسيحية الكبرى. من جانبه يرصد بنجامن لوكيرد، في كتابه «ت. س. إليوت والتراث المسيحي»، كيف انساق الشاعر إلى الكاثوليكية، خلال إقامة في باريس، فنأى عن العقيدة الوحدانية التي كانت عائلته الأمريكية تدين بها، واقترب أكثر من أدباء فرنسيين كاثوليك، من جماعة «المجلة الفرنسية الجديدة»، أمثال أندريه جيد وبول كلوديل وشارل ـ لوي فيليب؛ وهنا، يساجل لوكيرد، ترسخ عند إليوت اليقين الحاسم حول الترابط ما بين الدين والثقافة.

كتاب لوري ماكديارميد، «ت. س. إليوت الهمجي المتحضر: الشهوانية الدينية والشعريات»، يذهب أبعد من حيث ردّ الأبعاد المسيحية في شخصية إليوت إلى سياقات أعرض من ميول التديّن المألوفة؛ كأن تقترن بما تفترضه المؤلفة من نزعة عداء للسامية، وفلسفة محافظة، والكراهية المَرَضية للمرأة، والسلوك العصابي أو الطاووسي، والانفصام بين هوى كلاسيكي وممارسة شعرية حداثية. وثمة، هنا، اشتغال ذكي على المقارنة بين مسودات مختلفة، ومتباينة زمنياً، للقصيدة الواحدة؛ وكيف يتيح هذا الخيار النقدي، الأقرب إلى الحفريات، رسم مسارات واضحة لتطورات فكرية وجمالية قد لا تعبّر عنها مسودة منفردة في ذاتها.

والحال أنّ إليوت، منذ أن صعد نجمه في سماء الأدب الحداثي، ظلّ موضوع سجالات لا تنتهي، حول المتضادات الصارخة التي تصالحت عنده: التقليدية المتشككة، الكلاسيكية الرومانتيكية، التحرّر من الذات بصورة مفرطة في ذاتيتها، دهشة المحافظ الناظر إلى نفسه في مرآة سديمية، المنقلب في غبشها إلى مَلَكي أنغلو ـ كاثوليكي. وفي ثنايا ذلك كله كانت ترتسم صورة الرجل الذي أثار المجابهة الأهمّ في زمانه، بين الشخصية الروحية السلبية للعالم المعاصر، والشخصية الروحية الإيجابية للموروث؛ وتعايش في نتاجه الماضي والحاضر معاً، ضمن تركيب متوازن من الرموز المتصارعة. وما اقترابه من حدود الفاشية، دون الولوج إلى ظلامها والحقّ يُقال، سوى مظهر آخر من مفارقة مركزية ظلّت تحكم مسار رجل كسر الكثير من أعراف الشعر في عصره، وأرسى دعائم «حداثة كلاسيكية» متينة لم تفلح، مع ذلك، في الفرار من الشبح الرومانتيكي، ولم تنجح في تفادي ضغوطات روح العصر.

لكنّ رياضة اقتفاء الشخصية المسيحية خير، مع ذلك، من الهرولة إلى منزلقات التأثيم التي أعقبت جريمة «شارلي إيبدو»، في باريس مؤخراً؛ ونبش، أو إعادة إحياء، الاتهام القديم الذي أشاعه الشاعر البريطاني الصهيوني إيمانويل ليتفينوف، منذ سنة 1952، بأنّ إليوت معادٍ للسامية، فكراً وسياسة وشعراً على حدّ سواء (واستأنفه برنارد لويس، دون سواه، حين وصف الشاعر بـ «كاره يهود قياسي»). ولحسن الحظّ فإنّ بريطانيا لا تخلو من ناقد، يحدث أنه يهودي أيضاً (ومحام بارع، بين أشهر قضاياه طلاق الأميرة ديانا من الأمير شارلز)، أنصف إليوت على هذا الصعيد. ففي كتابه «ت. س. إليوت، العداء للسامية، والشكل الأدبي»، 2003، أعاد أنتوني جوليوس تصحيح معايير الحكم الأدبي على القصائد والمقاطع «المتهمة»، وصحّح زاوية النظر إليها من حيث قيمتها الجمالية أولاً.

وعند افتتاح القرن الجديد، الراهن، شاءت أسبوعية «تايم» الأمريكية أنّ تمنح إليوت موقع شاعر القرن العشرين، لأنه رجّح كفة الشعر في زمن أخذ يميل بقوّة إلى ترجيح الرواية؛ وكانت قصيدته «الأرض اليباب» بمثابة نهضة حيوية وعمر جديد فتيّ كُتب للشعر، كما عبّرت الناقدة الأمريكية هيلين فندلر في تسويغ اختيار المجلة. وبذلك لاح وكأنّ الأمر سواء، بين المسيحية والعداء للسامية، ما دام الشاعر نفسه، والشعر ذاته، في مناطق إبداعية أخرى. وفي هذا فإنّ حال إليوت لن تختلف كثيراً عن زملاء له، «متهَمين» مثله، ابتداءً من وليام شكسبير وانتهاءً بـ د. هـ. لورانس، دون إغفال مارك توين!

تعليقات:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 0 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع وكالةالأنباءالدولية نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز ??? ??????? حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى آراء واتجاهات
آراء واتجاهات
الكاتب/فهمي هويدي
عن نصف كوب الثورة الفارغ
الكاتب/فهمي هويدي
الكاتب الصحفي/عارف أبو حاتم
استقالة هادي ابتزاز لمستشاريه ودول الجوار
الكاتب الصحفي/عارف أبو حاتم
الكاتب/مهنا الحبيل
تفكيك النظريات الخاطئة لأمن الخليج
الكاتب/مهنا الحبيل
الكاتب/صبحي حديدي
إيران في الجولان وما خفي كان أعظم
الكاتب/صبحي حديدي
الكاتب/مهنا الحبيل
معادلة شارلي إيبدو والغلو المسلح
الكاتب/مهنا الحبيل
الكاتب/ميشيل كيلو
داخل وخارج سوريان
الكاتب/ميشيل كيلو
المزيد